القائمة الرئيسية

الصفحات

سيرة بلال بن رباح مؤذن الرسول

بلال بن رباح الحبشي مؤذن الرسول

سيرة بلال بن رباح مؤذن الرسول في بداية القصه
جاء رجل إلى أميه بن خلف ، وهو في مجلسه من ناديه من قريش، وقال له : أو ما بلغك الخبر ؟ !

قال أميه : وما كان؟ قال : لقد شهدت عبدك بلالاً يختلف الي محمد في ظلام الليل آناً ، وهو خائف في مشيته ، يبدو عليه الحذر في لفتته ، ولقد يخيل إليّ فيما توسمته في وجهه، واستقرأته من حالته ، أنه دخل فيما يدعو إليه محمد ، وانخرط فيما تهاوي فيه كثير من قومنا في هذا الدين .


ردة فعل أميه من إسلام بلال

قال أميه لمحدثه : أحقاً ما تقول ؟ وعلي بينة أنت مما تروي ؟ قال الرجل : نعم ، ولهذا نفضت عليك بالخبر ، وأفضيت إليك بما أري ، لتهّذب ذلك العبد ، وتقضي علي هذه الفتنه ، التي توشك أن يندلع لهيبها بين الموالي ، وقد أخذت سبيلها بين الأشراف .

انفتل أميه من مجلسه إلي داره ، وإن قلبه ليحترق من الغيظ ، وهو يعد لبلال الشر والمكروه .

وجاءه بلال ، ووقف بين يديه يضطرب ويرتعد أن رأي الشر يلمع في عينيه ، ونار الغيظ تكاد تخرج من بين جنبيه ، قال له أميه : ما هذا الذي بلغني عنك ،

وترامي إليّ من أمرك ؟ أحق ما يقال إنك تذهب الي محمد تحت رواق من الظلام ، أو ستار من قائلة النهار ،وأنك آمنت بدعوته ، واستجبت إلي أوهامه وضلاله ،كافراً باللات والعزي، صائباً علي عن آلهه قريش والعرب ؟

قال بلال : أمّا إذ وصل إليك علمي ، وانتهي إليك إسلامي ، فإني لا أكتمك أني قد جئت محمداً فآمنت برسالته ، وصدقته فيما يدعو إليه ، ولا يهمني أن حدثتك أن يعلم الناس جميعاً أمري.

صمود بلال

قال أميه : أو ما علمت أنك مملوك في يميني ، وعبد رقيق كبقية متاعي ، وإني من يوم أن أشتريتك ٱنما اشتريت جسمك وعقلك ، وتملكت روحك وجوارحك ، وأنه لا قدرة لعقلك أن يعتقد ما يشاء 
ولا لتفكيرك أن يذهب أنّي شاء ، فما الذي تجاوز به حدك ، وتخرج به علي دين سيدك .

قال بلال : إما إنا عبدك وأسيرك ، وخادمك ومولاك فهذا ما لا أنكره عليك، ولو أمرتني بقطع واد مسبع في جوف الظلام لفعلت ، أو كلفتني حمل الأحجار في مشاء الظهيره لما شكوت .

أما عقلي وفكري ، وعقيدتي وإيماني ، فهذا الذي لا يقع تحت سلطانك ، ولا يدخل في حوزتك ولا إمكانك وما يضيرك من إيماني وإسلامي ؟ وما يهمك في أن أملك عقلي وتفكيري ، ما دمت قائماً علي خدمتك حافظاً لعهدك .

قال أميه وقد ثار ثائره وهاج هائجه : لست أيها العبد إلا مملوكاً من مفرق رأسك الي أخمص قدمك ، وفيما بين ذلك من عقلك وتفكيرك ، حتي خليجات قلبك ، وخطرات نفسك وهمسات لسانك ، لا تملك من كل ذلك شيئاً .

بلال يتحمل أشدّ أنواع العذاب

قال له أميه : سأذيقك من ألوان العذاب وضروب النكال ، حتي أستل ما تعتقده من قلبك ، وأمزق نسيج ما تتوهم بين ألفاف صدرك ، ثم هجم عليه مغيظاً مهتاجاً ، عزيزاً قادراً ، غليظ الكبد ، شديد الوطأة .

وشد وثاقه وقيد يديه ورجليه ودفع به الي الصبيان في بطحاء مكه يتلعبون به ويقذقونه كالكره، ويدفعونه كسقط المتاع وعاد أميه في أعقاب يومه الي بلال يشهد مصرع الإيمان في قلبه ويري كيف بلغ العذاب في نفسه وجسده .

ولكن ماذا عسي أن يبلغ العذاب من نفس أسلمت لله ، ووجهت وجهها لله ؟ وما القيد والأغلال ، وما الكيد والنكال بجانب حلاوة الإيمان التي ذاقها ونعمة الإسلام التي ينعم قلبه بها .

قال له أميه : كيف وجدت العذاب يا بلال؟ أخير لك ما أنت فيه من همّ وبلاء ، أم عوده الي اللات والعزي ، وكفر بما جاء به محمد ، وما يزعمه من دين ؟

فنظر إليه نظره جمع فيها كل ما تطويه نفسه من احتمال للعذاب، واستعداد للبلاء واحتقار لما يوقعه به أميه من تعذيبٍ وإيذاء 

وكأنه يقول له : قد تملك السوط تنال به جسمي والحبل تغل به عنقي وجسمي ، بل لك السهم الذي تستطيع أن تسدده الي نحري ، والسيف تضرب به عنقي ، وأما أن تملك عقلي وقلبي ، وتحتكم في ديني وعقيدتي فهذا الذي لا يستطيع أن يناله بطشك ،والذروه التي لا تستطيع أن تريقها بقوتك وسلطانك .

أحدٌ أحد

وهذه قولته الشهيره أحدّ أحد وهو إعلاناً لأميه أنه لن يترك التوحيد ولا عباده الله الأحد ، ولن يتخذ معه شريك .

طلعت الشمس في اليوم الثاني قويه مشتعله، وانبسطت أشعتها علي الصحراء ، فاستوقد اديمها واضطرم بالنار إهابها ، وجاء أميه ببلال فأضجعه علي الأرض الملتهبه من شدة الحرّ ، وأتي بصخرة عاتيه فأراخها علي صدره ، ظل بلال بين أرض ملتهبه وصخرع ثقيله قاسيه .

وفيما بين ذلك الشمس تقذفه بسهامها والرياح تزجي إليه غبارها ولكن كل هذا وبلال لم يغير حرفاً من الكلمه التي أصبحت شعاره وعقيدته وعنوان إسلامه و إيمانه : " أحدٌ أحد " هو الله وحده الذي بعث محمدا ً رسولاً ،ومرشداً أميناً ، ومن نعماه عليّ أن كنت من تابعيه ، ومن محبيه ومريديه ، وكفاه لهذه النعمي سأصبر علي هذا البلاء وأصمد لذلك القضاء .


عتق بلال من أميه


ثم ما زالت الأيام تتوالي وتتابع ، وألوان العذاب علي بلال تترادف ، وأميه ما يزداد إلي غيظاً وحقداً حتي كان أبو بكر رضي الله عنه يمشي يوماً في بعض شعاب مكه ، فإذا بلال يئن من آلامه ، ويتلوي في محنته وأميه واقف أمامه في كبره وجهله وظلمه وعسفه ينظر إليه وكأنه قد شفي من غيظه أو أطفأ وقده من الحقد بين جنبيه .

فأدركت أبا بكر الرحمه ، وتحركت في نفسه بنات العطف والشفقه ، فقال لأميه : حتّام تترك هذا المسكين غرضاً لعذابك وهدفاً لبلائك ، وما حظك من هذا الآنين تسمعه ، ومن هذه الدموع تبعثها من مآقيها؟ أي جرم اقترفه وأي إثم ارتكبه ؟

قال أميه في صلفة وغرور ، وعجبة وخيلاته : هذا عبدي وملك يميني ، أعذبه كيف أشاء ، وأطلقه متي أشاء ، وما أوقَعهُ في بلائه وجرَّ عليه أسباب شقائه إلا أنت وصاحبك ، وإذا كنت مشفقاً به وحدباً عليه فدونكه اشتره وخلصه مما هو فيه أما ما دام هذا العبد في ملكي فلن أرفع عنه العذاب حتي يعود إلى اللات والعزي.

وانتهزها أبو بكر فرصة يخلص بها بلالاً من محنته ويرفع عنه عذاب سيده فقال لأميه : قد اشتريته منك ، وليس لك عليه الآن من سبيل ، وأما أنت يا بلال فقد أعتقتك حسبة لله وائتجاراً .

فهذا أميه وهذا أبوبكر ، هذا مؤمن وذاك كافر ، وهذا برّ وذاك فاجر ، وقد سجل الله عاقبتهما وفصل في أمرهما قال تعالى : { فَأَنذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظّٰى (14) لَا يَصْلٰىهَآ إِلَّا الْأَشْقَى (15) الَّذِى كَذَّبَ وَتَوَلّٰى (16) وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (17) الَّذِى يُؤْتِى مَالَهُۥ يَتَزَكّٰى (18) وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُۥ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزٰىٓ (19) إِلَّا ابْتِغَآءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلٰى (20) وَلَسَوْفَ يَرْضٰى (21)  }
[ سورة الليل : 14 الى 21 ]

وشتان ما بين الرجلين ، ويا بُعد ما بين العاقبتين
هل اعجبك الموضوع :